سياسية

دراسة: مقتدى وافق على عرض “لا يُمكن رفضه”.. لكنه “خسر سمعته”!

صحيفة اليوم الثامن الالكتروينة

د. منقذ داغر: مدير ومؤسس مركز المستقلة للأبحاث
د. كارل كالتنذالر: استاذ العلوم السياسية ومدير الدراسات الأمنية في جامعة أكر

ترجمة: قتيبة ياسين

السياسة في العراق متهشمة بالكامل

يواجه العراق في الوقت الحاضر مجموعة غير مسبوقة من التحديات السياسية. حيث قامت المجاميع الضخمة من المتظاهرين في جميع انحاء البلاد منذ تشرين الأول 2019 بالضغط على رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لكي يعلن عن استقالته في شهر كانون الأول. وقد اعتبر ذلك نصراً عظيماً للمتظاهرين الشبّان المطالبين بتغيير سياسي شامل. محمد توفيق علاوي، الشخصية التي تم ترشيحها لخلافة عادل عبد المهدي كرئيس للوزراء، والذي تم رفضه بشكل كبير من قبل الشارع، لم يلاقي دعماً كافياً من القوى السياسية العراقي ولم يتمكن من تمرير كابينته الوزارية وتشكيل حكومة جديدة. وبالنظر لفقدانه دعم الشارع والطبقة السياسية، انسحب علاوي من تكليفه بمنصب رئاسة الوزراء مما أبقى العراق يواجه مساراً غادراً وغير واضح المعالم.

حتى عند احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة في سنة 2003 لم يكن البلد أكثر تهديداً مثل ما يشهده الان. فبرغم انتشار وصعود تنظيم القاعدة ومن بعدها داعش واللذان سببا تهديداً لأمن العراق، لكنهم لم يستطيعوا هز أساسات الدولة كما فعلته مجموعة الأزمات السياسية التي اجتمعت معاً مؤخراً والتي تتحدى وجود دولة عراقية فاعلة ومتماسكة. إن الأزمات السياسية الحالية هي نتيجة لعدة عوامل طويلة الأثر اجتمعت معاً لتهدد النظام السياسي العراقي. هذا النظام أصبح مهشماً ولم يتم العثور على بديل له.

اذن، لماذا ننعت النظام السياسي في العراق بـ”المهشم”؟ أولاً، لأنه منقوص الشرعية من قبل العراقيين، فجميع مكونات المجتمع العراقي، على الأقل بمستوى الشارع، من عرب شيعة وسنة، وأكراد أجمعوا على رفض الحالة السياسية الراهنة. العرب الشيعة، وهم المكون الأكبر في العراق، نزلوا الى الشارع بأعداد غفيرة للمطالبة بتغييرات جوهرية بشكل النظام السياسي. هم لا يدعون الى إصلاحات فحسب، بل الى تغيير النظام السياسي بأكمله. وفي الوقت الذي لم تكن فيه مشاركة العرب السنة الكرد في الشارع كبيرة بما يكفي، إلا أنهم غير راضين تماماً على النظام السياسي الحالي.

كانت استجابة الطبقة السياسية لمطالب المحتجين بالتغيير السياسي ربما المؤشر الأبرز لتهشم النظام السياسي. فبدلاً من التوصل الى حلول من شانها إعادة بناء شرعية النخبة الحاكمة ومؤسساتها السياسية. عمدت هذه النخبة باستخدام الفوضى التي زيّدت من الثورة الشعبية ضد النظام السياسي لكي تحاول تأمين مزيد من السلطة لهم. وكانت النتيجة انهيار كامل لأي حراك أو تعاون سياسي يمهد الطريق لحل الأزمات السياسية. كما أنهم جابهوا الاحتجاج السلمي بالعنف والخطف والتغييب لكثير من المتظاهرين. هذه الاستجابة العنيفة لم تنتج سوى ازدياد غضب المتظاهرين وتعميق الشعور العام بعدم شرعية النظام السياسي الحالي.

المزيج ما بين مطالب المتظاهرين بتغيير النظام السياسي والاستجابة العنيفة لهم من قبل النخبة السياسية ترك العراق في حالة من الشلل السياسي،ولا يوجد طريق واضح للخروج منه. إن الفشل الكامل في التعاون ما بين النخب السياسية من أجل صنع حالة توازن سياسي جديد ترك البلاد في موقف غير مستقر. وفي ظل وجود حكومة تصريف أعمال ومؤسسات ضعيفة للغاية، وتصاعد الغضب الشعبي يوماً بعد يوم، والانقسام المجتمعي المستمر، تواجه الدولة العراقي احتمالية تآكلها حتى تصبح دولة فاشلة. وذلك الأمر من الممكن أن يصبح تهديداً حقيقياً للمصالح الأمريكية في المنطقة. إن العراق الذي ليس باستطاعته أن يشكّل دولة قوية، من الممكن أن يصبح مصدراً للتطرف ومنطقة صراع للقوى العظمى كما شهدنا ذلك في الماضي.

الثورة ضد النخبة السياسية

شهد العراق مظاهرات ضخمة ومستمرة منذ شهر تشرين الأول 2019. كان أغلب المتظاهرين من الشبان الشيعة الذين طالبوا بإنهاء الطبقة السياسية التي أتت بعد نظام صدام واستبدالها بطبقة جديدة. معظم هؤلاء المتظاهرين الشبان قد ولدوا بعد سقوط نظام صدام. هم ليسوا بعثيين ينادون بعودة النظام القديم، لكنهم يعتقدون بأن النظام الحالي فاسد ومهشم.

دعا المتظاهرون كذلك الى درء النفوذ الايراني المستوطن في النظام السياسي العراقي، حيث تعتبر إيران اللاعب الأكبر والأكثر ملامة في الدور الذي لعبته بصنع النظام السياسي الحالي. ومنذ مقتــ.ل قائد قوات القدس الجنرال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020، انخرط الكثير من المعارضين للتدخل الأمريكي في التظاهرات.

وفي حين شهد العراق في الماضي العديد من التظاهرات، بالأخص منذ 2011، لكنها لم تكن بهذا الحجم والانتشار ولم تكن مطالبهم قوية بتغيير النظام السياسي. هذه الاحتجاجات السلمية جوبهت باستجابة عنيفة من قبل قوات الأمن العراقية حيناً والميليشات الشيعية الموالية لإيران في حين آخر.

أكثر من 600 شخص تم قتلهم وعشرات الألاف من الجرحى. هناك المئات أيضًا من الذين تم اختطافهم وتغييبهم من قبل الميليشيات الشيعية. وبرغم اعداد القتلى الكبيرة، فقد استمر المتظاهرين بالنزول الى شوارع المدن الكبرى والمطالبة بإزالة النظام السياسي الحالي.

وبالرغم من كون حجم الاحتجاجات واستمرارها جدير بالملاحظة، إلا أن حقيقة كون معظم المتظاهرين هم من الشباب الشيعة الذين يسكنون في المناطق الشيعية العراقية هو الجدير بالأهتمام على وجه الخصوص. الشباب الشيعة تظاهروا على النخبة السياسية الشيعية التي تمثلهم والتي تسلطت على الحكم منذ سقوط نظام صدام حسين. فالعراق الوحيد الذي يعرفه معظم الشباب المتظاهرين هو عراق ما بعد صدام. المتظاهرين كانوا مدفوعين بمشاعر الأحباط والغضب المتولد نتيجة التوقعات المخيبة للآمال التي أظهرها النظام السياسي العراقي.
فالعراق يملك ثروة نفطية عظيمة ويعاني بالوقت نفسه من انتشار الفقر والبطالة وشحة الخدمات الحكومية الرئيسية. إنها الفجوة الحاصلة ما بين ما يتوقع العراقيين الحصول عليه وما يروه من أداء حكومي يثير غيضهم.

تظهر دراسات الرأي العام العراقية تزايد نسبة الخيبة والسخط الشعبي تجاه النظام السياسي العراقي بمرور الزمن. حيث أظهرت الاحصائات الاستقصائية للرأي العام التي أجرتها (المستقلة للبحوث) العاملة في بغداد منذ 2003، حجم السلبية التي أظهرها العراقيون تجاه ما قدمه النظام السياسي لهم.

وباعتباره مؤشراً مهماً للمشاعر الشعبية تجاه السياسة: هل يعتقد المواطن العراقي إن البلد يسير بالأتجاه الصحيح أم لا؟
في الفترة ما بين 2005-2006، 62% من العراقيين اعتقدوا بأن البلد يسير في الطريق الصحيح، وبنهاية سنة 2019، فقط 15% من العراقيين اعتقدوا بأن البلد سائر بالاتجاه الصحيح. انها احصائية مهمة لأنها تظهر أن وهم الأكثر نسبة سكانياً والأكثر أهمية في دعم ونصرة النظام بدأوا يتضائلون بشكل واضح، حيث رأينا هبوطاً حاداً في مستوى التفاؤل بشأن الإتجاه الذي يسير إليه البلد.

وبالمثل، فإن ثقة العراقيين بقدرة الحكومة على تحسين الوضع الحالي هي في انحدار أيضًا. في عام 2002، 59% من شيعة البلد كانوا يعتقدون بقدرة الحكومة على إصلاح الوضع الحالي. اليوم، أقل من 35% من الشيعة يعتقد بذلك. الأكراد بدورهم أكثر تشاؤماً، فنسبة 17% منهم فقط من كان يعتقد بإن الحكومة قادرة على إصلاح الوضع الحالي. السنة، في الناحية الأخرى، والذين مروا بتجربة مريرة مع داعش، يبدون أكثر أملاً بقدرة الحكومة على إصلاح الوضع. ففي عام 2018، اعتقد 70%من العرب السكن بقدرة الحكومة على إصلاح الوضع، أما الان فنسبة 50% منهم يعتقدون بذلك، حيث يعتبر ذلك انحداراً مقلقاً في مؤشر الأمل في مناطق لا زالت بعضها تحت سيطرة داعش. معظم المحللين يتفقون بأن مؤشر الأمل لدى العرب السنة سيتضائل مستقبلاً طالما بقيت عمليات إعادة اعمار مناطق سكناهم تسير برتم ضعيف. وعموماً، لا يوجد إيمان كبير لدى العراقيين بقدرة حكومتهم على جعل حياتهم أفضل.

إن الثقة أصبحت تتداعى في جميع المؤسسات السياسية في العراق، بما في ذلك المؤسسات الدينية. ففي عام 2004، أعرب 80% من العراقيين على ثقتهم في المؤسسات الدينية، في حين أظهرت الاحصائات الحالية إن مستوى الثقة هذا قد انخفظ الى 40%. المؤسسات الدينية التي كانت مصدر ثقة كبير لدى العراقيين، لكنها تُلام اليوم من قبل الكثيرين الذين يرونها أحد المساهمين في المشاكل الحالية.

وعندما سُئل العراقيون عن أبرز ما يثير قلقهم، كانوا واضحين بالإجابة أن الفساد والبطالة هي أبرز ما يقلقون لأجله، حيث كان أكثر 95% من العراقيين الذين تم سؤالهم سنة 2019، يعتقدون بأن الفساد يزداد سوءاً في البلد.

لن يستغرب أحدنا لو قام باختبار المؤشرات الديموغرافية والمؤشرات السياسية ووجد تنامي خيبة الأمل لدى العراقيين في العملية السياسية. فالعراق، عندما كان واقعاً تحت سلطة نظام صدام حسين القاسية،كان يملك نظاماً تعليمياً ناجحاً بشكل نسبي لو قارناه مع باقي الدول العربية. فطبقاً لإحصائيات البنك الدولي عام 2000، كانت نسبة المتعلمين آنذاك تصل الى 74% عند العراقيين البالغين. وفي عام 2018، انخفض نسبة المتعلمين الى 50%، وذلك يعتبر انخفاضاً كبيراً في عمليات محو الأمية.

كما شهد العراق أيضاً تنامياً في مستويات البطالة ومعدلات الفقر منذ الغزو في 2003. معدلات البطالة ازدادت بشكل مقلق بين الشباب، وبالخصوص، الشباب الشيعة من جنوب العراق، حيث كان ذلك سبباً كبيراً لسخط الكثير من الشباب في الجنوب خصوصاً وإن مناطقهم معروفة بثروتها النفطية. ازدياد الانتاج النفطي وما يقابله من ازدياد في مستويات الفقر ولّد استياءً عميقاً لدى العراقيين الذين باتوا يعتقدون بأن الموارد النفطية تُسرق من قبل السياسيين الفاسدين.

وتتطابق مخاوف العراقيين من ارتفاع مؤشر الفساد مع التصورات الدولية للفساد في العراق، حيث ارتفع العرا

ق بشكل سريع بين البلدان كأكثرها فساداً في التصنيف العالمي للشفافية. ففي عام 2019، كان في المرتبة 162 من أصل 190، بالتالي هو في أعلى 10% من الدول الفاسدة.

حتى الخدمات الحكومية الأساسية التي كانت في السابق متوفرة، أصبحت الان تترنح. الكهرباء اليوم لا يتم تجهيزها بشكل متساوٍ ومعرضة للانقطاع في صيف العراق القاسي. وأصبح توفر المياه الصالحة للشرب أزمة لدى الألاف من الذين يصابون بأمراض نتيجة شربهم لمياه آسنة. لم تكن هذه المشاكل موجودة نسبياً حتى وقت قريب حيث أصبحت مشاكل جسيمة تعجز النخبة السياسية في البلد على حلها وأرضاء عامة شعبها.

وبالنظر الى حجم العراقيين الذين يرون حكومتهم فاسدة وغير منتجة، فإنه ليس من المستغرب نزول الكثير منهم الى الشوارع مطالبين بقلب النظام السياسي بكامله. السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو لماذا وصل النظام السياسي العراقي الى هذه المرحلة من العجز؟ الإجابة على هذا السؤال ستنير لنا الطريق لمعرفة ما يمكن القيام به لتصحيح الوضع الحالي.

كيف وصل العراق الى هنا؟

ثلاثة أمور من الواجب معرفتها لفهم الحالة المحزنة التي وصلت اليها السياسة في العراق. الأمر الأول هو الغزو الأمريكي للعراق والقوى التي ساعدت في تخريب الدولة العراقية. الأمر الثاني هو عملية تقاسم السلطة في العراق والتي تم العمل بها في فترة ما بعد الاحتلال. الأمر الثالث هو الدور الذي لعبته إيران في العراق. هذه الأمور الثلاث قد خلقت مساراً مباشراً تجاه نظام سياسي مشلول يتناسب مع المصالح الفئوية ومليء بالفساد.

كانت عملية غزو العراق وسقوط نظام صدام حسين قد خلق فراغاً في السلطة. وفي أي عملية انتقال من نظام ديكتاتوري الى نظام ديمقراطي من المهم البحث عن أي المجاميع الأكثر تنظيماً في المجتمع وتملك قاعدة قوية تنافس من خلالها في الانتخابات. وبعد سقوط نظام صدام لم يكن في البلد أية أحزاب سياسية فاعلة. وفي عراق ما بعد صدام، كانت الحركات الإسلامية الشيعية هي الأكثر تنظيماً، مثل حزب الدعوة، وهم الذين كانوا لاجئين في ايران والذين يرون إنفسهم المحامين عن مصالح الشيعة في العراق. هذه الحركات الشيعية المتوالمة طائفياً مع إيران وتربطها صداقات قوية معها، جائت لتهيمن على الدولة العراقية في حقبة ما بعد صدام. لقد طلبوا دعم شيعة العراق مقابل وعودهم في تحسين اقتصاد البلد ورفع الحالة المعيشية للمجتمع الشيعي في البلد.

نخب العلمانييين الذين كانوا لاجئين ثم عادوا إبان الغزو الأمريكي لم تكن لديهم جذور سياسية في البلد ولا يملكون قواعد شعبية. الأحزاب الاسلامية الشيعية التي كانت أكثر تنظيماً من النخب العلمانية، وبفضل مساعدة كبيرة من إيران، اصبحوا ينادون بشعارات القيم والمعتقدات الإسلامية، والتي كان لها إذن صاغية لدى معظم العراقيين الذين فهموا بسهولة هذه الشعارات وساندوها. فالإسلام هو الدين الأقوى جذوراً في العراق، وشعاراته السياسية كانت أكثر موالمة لعامة العراقيين من الأفكار السياسية المجردة.

خلقت هيمنة الأحزاب الشيعية الطائفية على النظام السياسي في البلد العديد من المشاكل. حيث خلقت نفوراً كبيراً من قبل العرب السنة والأكراد والذين يشكلون باقي المجتمع العراقي. بالنسبة للعرب السنة، كانت الهيمنة الشيعية في الحكم وسوء المعاملة جعلت منهم عاملاً أساسياً تسبب في صعود تنظيم القاعدة ومن بعده تنظيم داعش. ولم يتبخر الدعم الشعبي السني لتلك المجاميع إلا حينما أصبحت تسبب أذىً وخراباً لمجتمعهم أكثر مما تسببه الحكومة الشيعية في بغداد. كانت سيطرة وانتشار تنظيم داعش قد شملت معظم المناطق السنية والحملات العسكرية اللاحقة التي شُنت من أجل إيقاف هذا التنظيم قد سببت بدمار العديد من المنشآت والموارد العراقية، حيث قد تحتاج هذه المناطق الى عدة سنين وربما عقود من الزمن من أجل إعادة بنائها وتعافيها. الأهم من ذلك، هو أن العديد من العراقيين -بمن فيهم الشيعة- قد عزوا تجربة ظهور داعش إلى الطبيعة الطائفية المفرطة للقيادة السياسية التي حكمت بعد صدام، والتي ذهبت بعيدا في تشويه سمعة السياسة المرتبطة بالدين في البلاد.

المجتمع الكردي العراقي اصبح خائب الظن من الهيمنة الشيعية على النظام السياسي في العراق والذي قد خلق سبباً كبيراً داعماً لقرار الانفصال عن العراق وتكوين دولة كردية مستقلة. في الحقيقة، عندما أجري الأستفتاء الكردي بشأن الانفصال عام 2017 والذي مر وألغي عندما توحدت تهديدات الحكومة العراقية والايرانية التي اقنعت النخب الكردية إن ذلك لم يكن سبباً يستحق الصراع والانفصال من العراق.

بعد إسقاط نظام صدام، عمدت سلطات الاحتلال الأجنبي التي كانت تقوده الولايات المتحدة الى تمكين واستمرار الهيمنة الشيعية الكاملة للبلاد من خلال صنع نظام سياسي مفتوح مبني على التحاصص وتقاسم السلطة بدلاً من أن يكون مبنياً على أساس أن الفائز بالانتخابات هو من يدير النظام السياسي بأكمله. وهو مشابه للنموذج السياسي اللبناني. وقد انشأ من أجل أن تشعر جميع المكونات العراقية بأنها مشاركة في صناعة القرار وتجنب الصراع على السلطة في مجتمع متعدد الأعراق والطوائف مثل العراق. هذا النظام الذي يُعرف عراقياً بنظام المحاصصة، يستند على فكرة اعطاء حصص ثابتة في المناصب وصناعة القرار خارج السياق المؤسساتي للأحزاب الممثلة لمكونات المجتمع الرئيسية.

وكانت نتيجة ذلك هو استغلال النخب السياسية لهذا التقاسم في تعظيم ثرواتهم وتوفير فرص عمل لعوائلهم وأصدقائهم وضمان أن عملية النهب تكون مستترة وبعيدة عن أعين عامة الناس.

كان نتيجة العاملين أعلاه نظاماً سياسياً كان فاشلاً ومعيباً منذ بداياته. إن قوة الجماعات الاسلامية الشيعية الموالية لإيران كانت مصدر قلق للمجتمع السني وباقي مكونات المجتمع العراقي، والذي أعطى لإيران دوراً خارجياً للمشاركة في السياسة العراقية والتي عمّقت الانقسام في البلد وكانت سبباً في تآكل قدرة العراق على بناء اقتصاد ومجتمع وسياسة فعالة. الاعتماد على نظام المحاصصة وتقسيم السلطات بدلاً من خلق ثقة متبادلة بين مكونان الشعب العراقي خلق طبقة سياسية تدير البلد بنظام يجلب الغنائم والمكاسب قام بشل جميع الجهود الداعية لإصلاح هذا النظام ويقلل من سيطرة هذه النخبة على الموارد السياسية والمالية للبلد.

هكذا وبعد حوالي عقدين من الزمن، خرجت معظم شرائح المجتمع العراقي رافضة للوضع السياسي الحالي ومطالبة بإعادة بناء شاملة للنظام السياسي، بعدما كانت خائفة في السابق من توفر بديل للنظام السياسي الحالي. ولكن الطبقة السياسية الحالية عاجزة عن صناعة نظام سياسي متوازن جديد لا يهدد مصالحهم ومنافعهم الخاصة. هذا الأمر أوصل النظام لطريق مسدود وليس هناك شخص واضح باستطاعته انتشال الوضع الراهن من العجز الذي أصابه.

ربما يكون المعرقل الأهم لعملية التغيير السياسي التي ينشدها المتظاهرين في شوارع العراق هي إيران. إذ لا يوجد فاعل واحد يملك نفس التأثير على مخارج النظام السياسي العراقي مثل ما تملكه إيران. حيث كانت احدى النتائج غير المتوقعة والمرغوبة للغزو الأميركي للعراق عام 2003 هو إتاحة الفرصة لإيران لكي تتغلغل في العراق. امتلكت إيران مشتركات عديدة مع العراق تساعدها في بناء شبكة نفوذ عميقة بداخله. الأولى هي الهوية الشيعية المشتركة التي تربطها بالأغلبية الشيعية العراقية. العامل الآخر هو الدور الذي لعبته إيران في استضافة ودعم الاحزاب العراقية المعارضة لحكم صدام. وعندما تصاعد خطر تنظيم داعش في المناطق السنية العراقية ووصلت الى حدود بغداد عام 2014، كانت إيران داعم أساسي للفصائل الشيعية التي مكنتها من توفير قوة برية كافية لدحر داعش وهزيمته.

حلفاء إيران السياسيين اليوم يمثلون الكتلة الأكبر والأكثر قوة في المشهد السياسي العراقي. وفي حين إن هدف حركة الاحتجاج الشبابية الغاضبة كانت بتفضيل وجعل مصالح العراق فوق الجميع، لا يبدو إن إيران تملك النية للتنحي عن موقعها القوي في النظام السياسي. إن الملف العراقي مهم لدى إيران لعدة أسباب، أولها وجود عدة آلاف من القوات الأمريكية المتمركزة في العراق والتي تشكل تهديداً حقيقياً للأمن الإيراني. السبب الثاني هو كون العراق سوقاً مهماً للبضائع الإيرانية. إن إيران التي تمر بضيق اقتصادي كبير نتيجة العقوبات الأمريكية، منزعجة من قلة الاستهلاك العراقي لبضائعها مما جعلها تعمد الى إغراق السوق العراقي ببضائعها بغية الحصول على حصة أكبر من وارداته. كان هذا أحد الأسباب التي زودت السخط الشعبي تجاه إيران خصوصاً في مناطق الجنوب التي تنتشر فيها البطالة بينما يتم اغراق أسواقها بالبضائع الإيرانية.

أحدث الأزمات التي تواجه العراق في الوقت الحالي هو انتقال فيروس كورونا من إيران الى العراق. حيث ساعد انتقال الفيروس من إيران الى تصاعد الغضب الشعبي تجاهها، حيث يعتقد معظم العراقيين بأن السلطات الإيرانية كانت تكذب بشأن انتشار المرض ولم تعمد الى أخذ التدابير اللازمة للسيطرة عليه ولم يقوموا بحجر الزوار الإيرانيين المرضى الذين قد أتوا للهراق وساعدوا على الفيروس. الكثير من العراقيين يعتقدون بأنها إشارة واضحة بكون السلطات الإيرانية غير مهتمة بصحة الشعب العراقي.

إن الغضب الشعبي تجاه إيران ليس كبيراً بما فيه الكفاية لتحييد قوة إيران. فإيران قد استطاعت تكبير تأثير الفصائل المسلحة وتحويلها الى أحزاب سياسية مجموعة بتحالف يدعى الفتح وهي تشكل الأن ثاني أكبر كتلة في البرلمان. حيث ساعد قتالهم ضد داعش من أن يوفر لهم قاعدة شعبية كافية في البلد. حلفاء إيران ليسوا أقوياء في المشهد السياسي فحسب ولكنهم أكثر قوة في الشارع من قوات الأمن العراقية الرسمية.

مقتدى الصدر: الشعبوي الضعيف

شخص واحد فقط وضع نفسه كأحد عوامل الاستقرار المحتملة في فوضى عراق ما بعد صدام الا وهو رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. الصدر الذي ينحدر من عائلة دينية مؤثرة في العراق، قد لعب دور الرجل الوطني الشعبوي داخل النظام السياسي منذ الاحتلال الامريكي للعراق.

قام بتشكيل جيش المهدي الذي أراد من خلاله تحدي ومقاومة الوجود الأمريكي لكن دون جدوى. تحول الصدر بعد ذلك الى زعيم سياسي مؤثر ونصب نفسه مدافعاً عن مصالح الفقراء من الشيعة.

في السنوات الأخيرة، وضع مقتدى الصدر نفسه في موقع المشارك في النظام السياسي من الخارج، الشخص الذي بجانب الشعب وضد الطبقة السياسية. وبلعب هذا الدور، استطاع الصدر من أن يوسع مقبوليته وقاعدته الشعبية عند الناس. استطاع من خلال خطابه الشعبوي حول مظالم العراقيين واستشراء الفساد ورفض التدخل الايراني من اجتذاب العديد من جمهور الشيعية وبعض من السنة وباقي المكونات. وكان موقفه الوطني المعارض لإيران مهماً على وجه الخصوص باجتذاب العديد من الأصوات غير الشيعية كما توضح الاحصائيات العامة للسنين الأربعة الأخيرة. وكان ناجحاً في استمالة الشيوعيين والأطراف غير الاسلامية من أجل أن يتحالفوا معه في الانتخابات. حيث اصبحت كتلته (سائرون)، هي الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي.

لكن صورة الشعبوي العنيد المعارض للنظام السياسي قد تعرضت للتشويه مؤخراً، فقد بدا واضحاً بإن الصدر الذي شارك في التظاهرات الأخيرة ضد النظام، قد انقلب عليها عندما تم اعطاؤه الوعود لكي يأخذ دوراً قيادياً بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. في الحقيقة، ان اتباع الصدر من المتظاهرين والذين يُعرفون باصحاب القبعات الزرق، نسبة لأغطية الرأس المميزة التي يرتدونها، اصبحوا يعمدون الى تفكيك الاحتجاجات الحاصلة مما دعا المتظاهرين بأن يرونهم جزءاً من النظام الذين يطالبون بتغييره.

يبدو إن الصدر قد عُرض عليه عرض لا يمكن رفضه. فالاحزاب الاسلامية وما تملكه من ميليشات قريبة من إيران قدموا للصدر فكرة مفادها ان بإمكانه أن يمتلك حصصاً كبيرة في الحكومة القادمة مقابل أن يسحب دعمه للتظاهرات في بغداد والناصرية والبصرة وغيرها من المدن. وأمام فرضية أن يكون له موقع مهيمن في الحكومة الجديدة وفي النظام السياسي مستقبلاً، وافق الصدر على العرض وأمر اتباعه بدعم ترشيح محمد علاوي كرئيس للوزراء. لم يكتفي بذلك بل أمر اتباعه بتفكيك التظاهرات وتخريب خيم المتظاهرين. كان ذلك القرار خطأً جسيماً بالنسبة للصدر وموقفه السياسي الذي كان داعماً بالكاد للمتظاهرين الذين أصبحوا يروه الان خائناً لمسار الإصلاح والتغيير السياسي في العراق. وقد فشل ايضاً في كسب تأييد السنة والاكراد لدعم محمد علاوي كرئيس للوزراء وتمريره في البرلمان. لذا فقد فشل الصدر في الهيمنة على الحكومة المقبلة وخسر سمعته كمصلح شعبوي. شيء واحد يبقى واضحاً، إن الصدر وبرغم ما يملك من قاعدة شعبية كبيرة إلا انها ليست كافية للسيطرة على النظام السياسي العراقي وإدارة التغيير الذي ينشده الكثير من العراقيين.

ما هو الطريق الأمثل للخروج من الأزمة والسير نحو الأمام؟

يمر العراق في أزمات متعددة وطريق الخروج منها غير واضح جداً. فالنظام السياسي الذي يعتمد مبدأ المحاصصة والتوافق اصبح نظاماً كلاسيكياً مُهيمَن عليه من قبل نخبة محددة. هناك العديد من اللاعبين السياسيين يمتلكون حق النقض (الفيتو) وهناك تدخل خارجي يتمثل بإيران، والتي تعارض عملية التغيير السياسي التي من شأنها تقويض قوتها وتأثيرها الاستراتيجي الحاسم في العراق. النخبة السياسية والشارع العراقي وصلا الى مرحلة من الخلاف من المتعذر اصلاحها.

الوضع السياسي الراهن يمر بحالة شلل تام. الحكومة الحالية مرفوضة تماماً من قبل الشعب وهي ملزمة دستورياً بأن تبقى حكومة تصريف أعمال. والوسطاء السياسيون في بغداد عجزوا عن تقديم حلول من شأنها امتصاص غضب الشارع والمحافظة على قوتها وسيطرتها على موارد النظام في آن واحد.

السيناريو الاكثر احتمالية، هو أن يمر العراق بمرحلة تغيير سياسي تدريجي تجاه نظام أكثر كفاءة وفعالية. ان احتمالية ان تتقاطع القوات الأمنية مع النخبة السياسية وتقف بجانب المتظاهرين هي احتمالية ضعيفة جداً. وبالمثل أيضاً، فأن القوى السياسية الحالية تملك حافزاً قوياً للبقاء والتشبث بنفوذها الحالي.

لكن المتظاهرين ليس لديهم النية للتراجع، والضغط على النخبة السياسية من أجل القيام بإصلاح حقيقي بات مكثفاً وقوياً. وبرغم الرصاص وعمليات القتل والتغييب وانتشار فيروس كورونا، أثبت المتظاهرين بسالة كبيرة باستمرارهم في البقاء للضغط من أجل احداث تغيير سياسي. إنها حركة احتجاجية ليس فيها أي مجال للتراجع. الطبقة السياسية ستكون مجبرة للانصياع لمطالب المحتجين أو الذهاب بالبلد الى حالة شلل سياسي واقتصادي ومجتمعي.

لدى الولايات المتحدة حافزاً كبيراً للبقاء في العراق، ذلك لأنه بلد مُهيمَن ومُستغَل من قبل إيران المتهمة بزعزعة البلد والمنطقة بأجمعها. عراق غير مستقل ومسيطر عليه من قبل إيران يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح أميركا. كما ان توسع النفوذ الايراني في المنطقة جعل من الدول المتقاربة في حالة أقرب للحرب.

ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة من أجل صناعة نظام سياسي أكثر كفاءة ونزاهة وفعالية وخالٍ من النفوذ الإيراني؟ أفضل طريقة بإمكان الولايات المتحدة اتخاذها هو أن تقدم الدعم الشفهي للأصوات الديمقراطية الداعية للتغيير في العراق. وذلك لا يكون عن طريق تقديم دعم ملموس للمتظاهرين من شأنه أن يُستخدم ضدهم. فالدعايات الايرانية قد عمدت الى وصف المتظاهرين بالعملاء المأجورين لدى الأمريكان، فلو قامت الولايات المتحدة بتوفير دعم مباشر للمتظاهرين فسوف تنقض شرعيتهم. يجب أن تتجه الولايات المتحدة لطرق دعم غير مباشرة عبر الاتحاد الاوروبي ومنظمة الأمم المتحدة من أجل توفير الحماية للمتظاهرين من الذين ينوون تدميرهم. يجب على الولايات المتحدة أن تقوم أيضاً بفرض عقوبات على أولئك الذين استخدموا العنف ضد المتظاهرين أولئك المتورطين بعمليات الكسب غير المشروع.

هناك جهود أخرى من المحتمل ان توفر الاستقرار في العراق عبر الوصول الى اتفاق بين النظام السياسي العراقي والنظام الايراني يتضمن قيام الولايات المتحدة لعقد اتفاق مع السلطات الايرانية للحد من تدخلاتها في الشأن العراقي وخلق علاقة أكثر عملية وفاعلية بين البلدين. كما يتضمن الاتفاق وقف الدعم الايراني للميليشات الراعية لها وقطع الطريق أمامها للسيطرة على النظام السياسي في البلد.
ما يجب على الولايات المتحدة تجنبه هو أن لا يبدو تدخلها في الشأن العراقي من أجل محاربة إيران فقط. فالعراقيين لا يريدون أن يتحول بلدهم لساحة صراع بالوكالة بين اميركا وايران. لو عملت الولايات المتحدة على اصلاح العملية الديمقراطية وتحسين مستقبل العراق، فهذه ستكون بادرة حسن نية، ليس للعراق فحسب بل للمنطقة بأكملها. هي ستقوم بتعزيز استقرار بلد ذو موقع استراتيجي مهم في المنطقة وتكبح سيطرة ايران عليه. التجاهل المؤقت لمشاكل العراق في الوقت الحالي، سيحيلها لتصبح مشاكل أميركية في وقت آخر.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق